Lawyer Rabat

التذييل بالصيغة التنفيذية في المغرب: ما هي الأحكام والوثائق الأجنبية التي يمكن الاعتراف بها؟

في سياق يتسم بالحركية الدولية للأشخاص والأسر والمقاولات، كثيرا ما يحدث أن يتوفر شخص ما على حكم أو عقد أو وثيقة محررة بالخارج، ويرغب في ترتيب آثارها داخل المغرب. وقد يتعلق الأمر بحكم طلاق، أو عقد زواج، أو قرار متعلق بحضانة طفل، أو حكم يقضي على شخص بأداء مبلغ مالي، أو عقد موثق، أو وكالة، أو حكم تحكيمي، أو وثيقة تتعلق بعقار موجود بالمغرب
غير أن الوثيقة الأجنبية لا تنتج دائما آثارها بشكل تلقائي في المغرب. ففي حالات عديدة، يجب أن تخضع مسبقا لمسطرة التذييل بالصيغة التنفيذية، وذلك من أجل الاعتراف بها أو جعلها قابلة للتنفيذ فوق التراب المغربي
وتذكر اجتهادات محكمة النقض المغربية بأن هذه المسطرة ليست مجرد إجراء شكلي. فالقاضي المغربي يتحقق من طبيعة الوثيقة، ومن صحتها، ومن طابعها النهائي أو القابل للتنفيذ، ومن اختصاص السلطة الأجنبية التي أصدرتها أو حررتها، وكذا من مدى مطابقتها للنظام العام المغربي

ما هي الوثائق الأجنبية التي يمكن أن تكون موضوع تذييل بالصيغة التنفيذية في المغرب؟

أحكام الطلاق الأجنبية
تعد القرارات الأجنبية التي تضع حدا للعلاقة الزوجية من بين طلبات التذييل بالصيغة التنفيذية الأكثر شيوعا في المغرب. وقد ذكرت محكمة النقض، في عدة قرارات، بأن الأحكام الأجنبية الصادرة في مادة الأسرة يمكن تذييلها بالصيغة التنفيذية في المغرب متى استوفت الشروط القانونية
وقد نقضت المحكمة، على وجه الخصوص، قرارا رفض تذييل حكم أجنبي بالطلاق بالصيغة التنفيذية لمجرد أنه صدر عن قضاة غير مسلمين، معتبرة أنه لا يوجد أي نص يستثني الأحكام الأجنبية المتعلقة بالأحوال الشخصية من مسطرة التذييل بالصيغة التنفيذية
وهذا يعني أن حكم الطلاق الأجنبي يمكن أن ينتج آثاره في المغرب، شريطة تقديمه وفق المسطرة المناسبة وإرفاقه بالوثائق اللازمة

عقود الزواج المبرمة بالخارج
يمكن أن يتعلق التذييل بالصيغة التنفيذية أيضا بعقود الزواج المبرمة بالخارج، ولا سيما عندما يكون الزوجان مغربيين مقيمين بالخارج. وقد قبلت محكمة النقض تذييل عقود زواج مبرمة بالخارج بالصيغة التنفيذية عندما تكون الشروط الجوهرية المنصوص عليها في المادة 14 من مدونة الأسرة متوفرة، وهي: الإيجاب والقبول، والأهلية، وانتفاء الموانع، وحضور الشاهدين، وعدم التنصيص على إسقاط الصداق
كما قضت المحكمة بأن عقد الزواج الأجنبي لا يلزم بالضرورة أن يعيد إنتاج نفس شكل العقد المغربي بشكل مطابق، متى ثبتت الشروط الجوهرية
وفي قرار آخر، أقرت المحكمة تذييل عقد زواج محرر من طرف مصلحة أجنبية للحالة المدنية بالصيغة التنفيذية، ما دام لم يثبت أن زواجا قد أبرم سابقا في المغرب، وما دام العقد الأجنبي متوافقا مع القواعد المغربية الواجبة التطبيق
وتكتسي هذه القرارات أهمية عملية كبرى بالنسبة للمغاربة المقيمين بالخارج الذين يرغبون في الاعتراف بزواجهم داخل المغرب

القرارات الأجنبية المتعلقة بالأطفال: الحضانة، الإقامة والحماية
يمكن أن يتعلق التذييل بالصيغة التنفيذية كذلك بالقرارات الأجنبية المتعلقة بالأطفال، ولا سيما في مادة الحضانة أو الإقامة
وقد قبلت محكمة النقض تذييل قرار أجنبي أسند حضانة طفل بالصيغة التنفيذية، بعد أن تحققت من أن هذا القرار يحترم مصلحة الطفل ولا يخالف النظام العام المغربي، ولا سيما بالنظر إلى المادة 163 من مدونة الأسرة
وفي هذا النوع من الملفات، لا يقتصر القاضي المغربي على التحقق من الشكل الخارجي للحكم الأجنبي، بل يبحث أيضا في مدى توافقه مع المبادئ الأساسية للقانون المغربي للأسرة، وبصفة خاصة المقتضيات المتعلقة بحماية الطفل

القرارات الأجنبية المتعلقة بأهلية شخص راشد أو بحمايته
تتعلق بعض الأحكام الأجنبية بحماية شخص راشد، أو بأهليته القانونية، أو بتعيين ممثل يتولى إدارة أمواله
وتتبنى محكمة النقض، في هذه الحالات، مقاربة دقيقة وصارمة. ففي قرار يتعلق بحكم أجنبي يقضي بوضع شخص تحت نظام الحماية، نقضت المحكمة قرار التذييل بالصيغة التنفيذية، معتبرة أن أهلية الشخص تمس النظام العام المغربي وتقتضي رقابة جدية، ولا سيما عندما تكون الخبرة الطبية القضائية شرطا أساسيا بمقتضى مدونة الأسرة
وفي قرار آخر، أيدت المحكمة رفض تذييل قرار أجنبي متعلق بحماية شخص راشد بالصيغة التنفيذية بسبب عدم كفاية الوثائق المدلى بها، خصوصا فيما يتعلق بالتبليغ وإثبات عدم الطعن
ويترتب عن ذلك أن القرار الأجنبي المتعلق بأهلية شخص يمكن أن يكون موضوع طلب تذييل بالصيغة التنفيذية، غير أن ملف التذييل يجب أن يكون مكتمل الأركان

الأحكام الأجنبية المتضمنة لإدانات مالية
يمكن أن يتضمن الحكم الأجنبي أيضا إدانات مالية، مثل النفقة، أو التعويضات، أو الأضرار والفوائد، أو التعويض المالي المرتبط بالطلاق، أو المبالغ التابعة له
وقد قبلت محكمة النقض تذييل حكم أجنبي بالطلاق بالصيغة التنفيذية، كان يقضي على أحد الزوجين بأداء مبالغ لفائدة الزوج الآخر والطفل، معتبرة أن التعويضات يمكن ربطها بالحقوق المقررة بمقتضى مدونة الأسرة في حالة الطلاق بسبب الضرر
غير أنه عندما تكون الآثار المالية لقرار أجنبي من شأنها أن تمس المبادئ الأساسية للقانون المغربي للأسرة، فإنه يتعين على القاضي ممارسة رقابته. وقد نقضت محكمة النقض، في هذا السياق، قرارا منح التذييل بالصيغة التنفيذية دون أن يجيب عن ملاحظات النيابة العامة المتعلقة باحتمال مخالفة القرار للنظام العام المغربي
وبالتالي، فإن تذييل حكم أجنبي بالطلاق بالصيغة التنفيذية لا يتعلق فقط بإنهاء الرابطة الزوجية، بل يمكن أن يشمل كذلك الآثار المالية للحكم، شريطة توافقها مع النظام العام المغربي

العقود الموثقة والعقود والوثائق المحررة بالخارج
لا يقتصر التذييل بالصيغة التنفيذية على الأحكام القضائية فقط. فالاجتهاد القضائي يقبل أيضا إمكانية تذييل بعض العقود أو الوثائق المحررة بالخارج بالصيغة التنفيذية
وقد ذكرت محكمة النقض بأن العقود المبرمة بالخارج أمام الضباط أو الموظفين المختصين يمكن تنفيذها في المغرب بعد تذييلها بالصيغة التنفيذية، طبقا للفصل 432 من قانون المسطرة المدنية
غير أن المحكمة أوضحت أن العقد الأجنبي يجب أن يكون قابلا للتنفيذ في بلد صدوره، وأن طلب التذييل بالصيغة التنفيذية قد يواجه صعوبات عندما يكون هناك نزاع لا يزال معروضا بين نفس الأطراف بشأن نفس العقد
وتشمل هذه الفئة، على الخصوص، العقود الموثقة وعقود الهبة والعقود المحررة أمام سلطة أجنبية مختصة

الوكالات والعقود المتعلقة بعقارات موجودة في المغرب
تستدعي الوثائق الأجنبية المتعلقة بعقارات موجودة في المغرب قدرا خاصا من اليقظة
فقد نقضت محكمة النقض قرارا قضى بتذييل وكالة أجنبية تتعلق بعقار بالصيغة التنفيذية، معتبرة أن القواعد المغربية المتعلقة بالحقوق العينية تفرض شروطا خاصة بالنسبة للعقود التي يكون موضوعها نقل حقوق عينية عقارية أو تعديلها أو انقضاءها
وبعبارة أخرى، قد تكون الوثيقة صحيحة في دولة إبرامها، لكنها لا تنتج آثارها تلقائيا في المغرب عندما تتعلق بعقار موجود في المغرب ولا تحترم شروط القانون المغربي

الوصايا والوثائق الأجنبية المتعلقة بالإرث
يمكن للوثائق الأجنبية المتعلقة بالإرث أو الوصايا أن تثير بدورها صعوبات على مستوى التذييل بالصيغة التنفيذية
ففي قرار يتعلق بطلب تذييل وصية بالصيغة التنفيذية، أيدت محكمة النقض رفض الطلب بسبب خطر المساس بالقواعد المغربية المتعلقة بالإرث، ولا سيما حد الثلث وحقوق الأغيار الذين لم يتم استدعاؤهم إلى المسطرة
ويظهر هذا الاجتهاد أن الوثائق الأجنبية المتعلقة بالميراث يمكن أن تخضع لرقابة صارمة، خصوصا عندما تمس النظام العام الأسري والمالي المغربي

التذييل بالصيغة التنفيذية ليس مجرد إجراء شكلي

تظهر اجتهادات محكمة النقض بوضوح أن التذييل بالصيغة التنفيذية لا يتمثل في وضع صيغة تنفيذية على وثيقة أجنبية بشكل تلقائي
:فالقاضي المغربي يمارس رقابة قانونية. وتشمل هذه الرقابة، على الخصوص، ما يلي
اختصاص السلطة أو المحكمة الأجنبية
سلامة المسطرة المتبعة في الخارج
التبليغ الصحيح للقرار
الطابع النهائي أو التنفيذي للحكم أو العقد
عدم وجود طعن
ترجمة الوثائق
التصديق أو الأبوستيل، بحسب البلد المعني
المطابقة للنظام العام المغربي
وقد ذكرت محكمة النقض بأهمية الإدلاء بالوثائق المطلوبة، ولا سيما نسخة مشهود بمطابقتها للأصل من الحكم، وإثبات التبليغ، وشهادة عدم الطعن، واستدعاء الطرف المحكوم عليه غيابيا، وترجمة كاملة منجزة من طرف ترجمان محلف
وفي قرار آخر، أوضحت المحكمة أن شهادة عدم الطعن المطلوبة بمقتضى الفصل 431 من قانون المسطرة المدنية لا تخضع بالضرورة لشكل واحد أو جامد، بل يجب تقديرها بحسب مضمونها وبحسب قانون بلد المنشأ
وتكتسي هذه المقاربة أهمية خاصة: فالقاضي المغربي لا يرفض الوثيقة الأجنبية لمجرد أنها غير محررة وفق صيغة مغربية. لكنه يجب أن يكون قادرا على التحقق، بشكل ملموس، من أن القرار نهائي أو قابل للتنفيذ

الأخطاء الرئيسية التي قد تعرض طلب التذييل بالصيغة التنفيذية للرفض

تفشل العديد من ملفات التذييل بالصيغة التنفيذية أو تتعقد، ليس بسبب مضمون الحكم الأجنبي، وإنما لأن الملف غير كامل أو لم يتم إعداده بشكل سليم
:ومن بين الأخطاء المتكررة، يمكن ذكر ما يلي

الإدلاء بنسخة غير كافية أو غير مشهود بمطابقتها للأصل: قد لا تكون الوثيقة المدلى بها ذات قيمة ثبوتية كافية، إذ يجب أن يكون القاضي قادرا على التحقق من صحة الحكم أو العقد الأجنبي

إغفال إثبات التبليغ: يعتبر التبليغ عنصرا أساسيا، لأنه يسمح بالتحقق من أن الطرف المعني قد تم إعلامه بالمسطرة أو بالقرار الأجنبي. وقد أيدت محكمة النقض رفض التذييل بالصيغة التنفيذية عندما كان إثبات التبليغ غير كاف أو لا يتعلق بشكل صحيح بالأطراف المعنية

عدم إثبات الطابع النهائي للقرار: إن الحكم الأجنبي الذي لا يزال موضوع طعن، أو الذي لم يثبت طابعه النهائي، قد لا يقبل تذييله بالصيغة التنفيذية. غير أن المحكمة قبلت أن تكون بعض البيانات الواردة مباشرة في الحكم الأجنبي كافية، عندما تثبت أن القرار أصبح نهائيا

إهمال الترجمة: يجب، عموما، أن تكون الوثائق الأجنبية مرفقة بترجمة كاملة وأمينة، منجزة من طرف ترجمان محلف عندما يكون ذلك مطلوبا. وقد تؤدي الترجمة الجزئية أو غير الدقيقة أو غير المطابقة إلى تأخير المسطرة أو إضعاف الطلب

عدم احترام النظام العام المغربي: يشكل النظام العام المغربي أحد أهم شروط التذييل بالصيغة التنفيذية. ويمكن التمسك به في مادة الأسرة، أو الإرث، أو العقار، أو الذمة المالية، أو عندما يمس القرار الأجنبي الأهلية القانونية لشخص ما
وهكذا، قد يكون القرار الأجنبي سليما في بلد صدوره، لكنه قد يواجه صعوبات في المغرب إذا كان يمس مبادئ أساسية في القانون المغربي

en_USEnglish